اجتمعوا في أروع مناطق
دبي، حيث اقتربوا فيها من البحر ليعانقوه من جديد ويجددوا
عهدهم معه، فهم جميعا تربوا على خيراته في وقت كان البحر
بيت الخيرات لأهل الإمارات، في ذلك المكان أطلوا من جديد
ليس على البحر فقط إنما على قلوبهم التي بدت كشرفات وردية
تظللها كلمات الحنين إلى أيام الطفولة الغضة، والتي جمعتهم
على رغيف واحد وكتاب واحد.
ومن خلال إطلالة واحدة
في عيون خريجي ثانوية جمال عبد الناصر عام 1976 تلمس حنينهم لأيام
الماضي، عندما كانوا يلعبون معا في «فريج» واحد ومدرسة طالما تخرج
منها أبرز قيادات دبي، وها هم اليوم قد تسلقوا السلم بجهدهم ليصلوا
إلى رأسه، ويتربعوا بفضل تعبهم على عرش معظم المؤسسات القوية
والمعروفة في الدولة عموما، وفي مثل هذه الأيام من كل عام يلتقون
في مكان ما بدبي ليمارسوا هوايتهم الصغيرة، وليجددوا عهدهم من جديد
ناقلين رسالة شفافة ورقيقة إلى أبنائهم وأبناء جيل اليوم، تبدأ
كلماتها بأواصر الصداقة وضرورة التواصل، وختامها دعوة إلى النجاح
والبناء.
هناك في فندق
اتلانتس اجتمعوا واستقبلوا بعضهم البعض بالأحضان، لم
يفرقهم تقلب الأيام والسنوات، وقد اصطحب بعضهم أبناءه
ليعلموهم معنى الصداقة الحقيقة، وفي تلك القاعة التي تطل
على أحواض السباحة المظللة بأشجار الورد والنخيل ارتقت
قلوبهم لتلتقي مع من كان لهم الفضل الأول في احتراف الحرف
الأول، اساتذتهم ومعلميهم القدامى ليبدوا اللقاء في الوهلة
الأولى بين الآباء والابناء، ليجسدوا بذلك العلاقة القديمة
التي طالما ربطت الأستاذ بالطالب والتي كانت في يوما ما
علاقة أبوة وهيبة مكللة بالاحترام.
«البيان» تواجدت في هذا
اللقاء الذي حرص عليه الطلبة الصغار قديما والكبار حاليا،
حيث كانت لحظات الحب الحنين التي عمقها الشهر الكريم واضحة
فيه، لنسجل بعض المشاهد الجميلة التي بتنا نفتقد اليها في
ايامنا هذه.
الأب
الأول
لقائنا
الأول كان مع الدكتور محمد قدري عوض الله، المدير التنفيذي
لكلية الامام مالك للشريعة والقانون، والذي لا يزال يحتفظ
حتى اللحظة بلقب الأب، حيث قام بتسجيل أسماء هؤلاء الطلبة
في الصف الاول حينما هموا بدخول مدرسة الشعب، وحول شعوره
في تلك اللحظة التي التقى فيها مع أبنائه الطلبة بعد مرور
اجيال كثيرة، قال د. عوض الله: «بلا شك انه شعور بالفخر
والاعتزاز ولذلك أود ان اشكر صاحب هذه المبادرة التي
جمعتنا معا تحت سقف واحد، والتي تعيد إلينا اللحمة التي
اعتدنا عليها في السابق حيث كان المعلم يعتبر أباً للطالب،
لدرجة الاحترام والهيبة التي يكنها الطالب له».
ويواصل د. عوض الله:
«لطالما توقعت وزملائي المدرسين لهؤلاء مستقبلا جيدا، وذلك
التوقع كان نابعا من معرفتنا الجيدة فيهم ومن خلال ما
لمسناه منهم من جهد واجتهاد، واذكر انهم لم يعتمدوا في
دراستهم على الكتب، حيث كنا حينها ندرس المنهاج الكويتي
وكانت الكتب في كثير من الأحيان تتأخر في الوصول إلينا
ولذلك فقد كان هؤلاء الطلبة يعتمدون على شرح المدرس وكذلك
المذكرات التي كانوا يأخذونها عن مدرسهم، وهذا نمى فيهم
الجد والاجتهاد وعلمهم الصبر والاعتماد على النفس، وهذا
بالتأكيد ساعدهم في بناء أنفسهم وتحضيرها الى المستقبل
ولذلك كانوا كما توقعناهم رجال للمستقبل، وما وصلوا إليه
اليوم يؤكد نظرتنا هذه».
وتابع د. عوض الله:
«لقد لعبت العلاقة الجيدة بين المدرس والطالب دورا كبيرا
في تنشئتهم بشكل صحيح وبهذا هم اختلفوا كليا عن الجيل
الحالي الذي توفرت له جميع الامكانيات ومع ذلك لم يستطع
تحقيق ما استطاعت هذه المجموعة تحقيقه، ولذلك عادة ما اضرب
بهم المثل لطلابي الحاليين، ومن خلال تجربتي الطويلة في
حقل التعليم اصبحت على يقين انه يجب على كافة المؤسسات
التعليمية اعتماد اليوم المفتوح الذي تجمع فيه اولياء
الامور مع المدرسين والطلبة على طاولة واحدة بحيث يكونوا
قريبين من بعضهم البعض ليستطيعوا جميعا مواصلة البناء الذي
يقوم في الأساس على البيت ثم المؤسسة التعليمية، واكتشفت
عندما شاركت في احدى ورش العمل التي عقدت في الولايات
المتحدة الأميركية انهم يعتمدون هذا النظام في مدارسهم،
ولذلك اعتبره من انجح الأنظمة التعليمية«.
ذكريات
مع الأصدقاء
لم تتوقف «البيان» في
حوارها عند د.عوض الله انما توجهت نحو الطلبة القدامى
لتتعرف من خلالهم على شعورهم في هذه اللحظات التي يجتمعون
فيها مع ابناء جيلهم بعد مرور أكثر من 34 عاما على تخرجهم
من مدرسة جمال عبد الناصر، حيث قال طارق خانصاحب، عضو مجلس
ادارة خانصاحب الهندسة المدنية: «كثيرة هي الذكريات التي
تحضرني في هذه اللحظات، حيث اجتمع مع اعز زملائي الذين عشت
معهم تلك الأيام الجميلة رغم ما فيها من صعوبة وضنك العيش،
وبالنسبة لي اعتبرهم اخوتي خاصة وأننا بدأنا مع بعضنا
البعض منذ الصف الاول في مدرسة الشعب واستمررنا معا حتى
انهينا دراستنا الجامعية.
وها
نحن اليوم نجتمع مرة أخرى لنجدد التواصل فيما بيننا»،
ويتابع خانصاحب: «ما زلت اذكر حتى اللحظة عندما كنا نخرج
سويا إلى الحديقة ونلعب معا الورق أو كرة القدم، وعندما
كنا نجتمع معا للدراسة وكذلك الرحلات المدرسية ومخيمات
الكشافة التي كنا نشارك فيها جميعا، لقد كانت لحظات جميلة
بحق حيث اقتربنا فيها من بعضنا البعض، وما زلت اذكر عندما
حاولنا مشاهدة إحدى مباريات دوري الخليج على جهاز
التلفزيون، حينها كنا في منطقة الذيد ولم يكن إرسال
التلفزيون قويا.
ولمشاهدة المباراة
ركبنا جميعا في سيارة واحدة نحمل معنا التلفزيون وأخذنا
نسير باتجاه الشارقة، ولكن ما ان وصلنا حتى شارفت المباراة
على الانتهاء ولم نشاهد منها سوى أخر ربع ساعة فقط، لقد
كانت لحظات جميلة»، وحول توقعاتهم بالوصول إلى ما هم عليه
اليوم قال خانصاحب: «لا انكر اننا توقعنا ذلك لالتزامنا
واجتهادنا بدراستنا، إلى جانب العلاقة الحميمة التي جمعتنا
سويا، ولذلك أحض أبناء الجيل الحالي على الاهتمام قدر
المستطاع بدراستهم وبعلاقاتهم مع بعضهم البعض ومع أساتذتهم،
واطلب منهم ضرورة التسلح بالشهادات العلمية حتى يتمكنوا من
مواجهة متطلبات السوق»
تعلم
المسؤولية وتحملها
في
حديثنا معه عاد المهندس زهدي محمد سرحان، مدير إدارة
التشغيل والصيانة في الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء في
ذكرياته إلى الوراء كثيرا، حيث قال: «لحظات كثيرة ما زالت
معلقة في ذاكرتي، ولعل أبرزها عندما كان المدرس يعاقبنا،
ما زلت اذكر هذه اللحظات لأنني أدركت فيما بعد مدى أهميتها
لأنها جعلت منا رجالا يعرفون قدر العلم ويقدرونه ويسعون
للحصول عليه، إلى جانب إنها علمتنا كيف تكون المسؤولية
وتحملها، وما زلت اذكر عندما كان مدرسينا يرددون على
مسامعنا «انتم رجال المستقبل»، في تلك الأيام لم نفهم ماذا
يعنون بذلك.
ولكن فيما بعد
أصبحنا ندرك من خلال ما وصلنا إليه من مناصب قيادية مهمة
معنى تلك الجملة التي بسببها شدوا بعض الشيء علينا». وحول
لحظات اللقاء مع أبناء جيله قال سرحان: «إنها لحظات جميلة
حيث اشعر فيها بتجدد الأخوة التي تربينا عليها جميعا،
وللحقيقة فانا اعتبرهم أشقائي، افرح لهم واسعد بلقائهم،
واحرص دائما على نقل هذه الأخوة والعلاقة الحميمة إلى
أبنائي الذين أوصيهم وأبناء الجيل الحالي بضرورة الاجتهاد
والمواظبة على الدراسة وتحصيل العلم، وعلى الاحتفاظ
بعلاقات صداقة قوية مع الآخرين».
تجربة
لن تتكرر
د.
خالد محمد الخزرجي، وكيل وزارة العمل سابقا ومدير شركة
الكوثر للاستثمار، لخص لنا ذكريات السنوات الماضية بجملة
صغيرة حيث قال: «لا اشعر بأنه مرت علينا سنوات طويلة،
وبتقديري إنها لم تتجاوز الثمانية أعوام»، وأضاف: «لعل
أكثر ما يشغل تفكيري في هذه اللحظة سؤال ملح هو هل سيتمكن
ابني بعد تخرجه من الثانوية بـ 30 عاما من الاجتماع مع
أصدقائه الذين درسوا معه في ذات الصف كما يحدث معنا الآن،
اعتقد إن ذلك شبه مستحيل.
وذلك لاختلاف
الفترة التي عشنا فيها نحن، حيث كنا نعيش ضمن مجتمع بسيط
صغير ومترابط، الجميع فيه يعرفون بعضهم البعض، وهذا ما زاد
من قوة العلاقة وأدى إلى استمرارها وامتداد جذورها طوال
هذه السنوات، ولكن يبدو لي أن حالة ابني مختلفة تماما،
فعندما اسأله عن عدد المواطنين في مدرسته أجد إنهم لا
يتجاوزون 10 والبقية وافدين سيعودون يوما ما إلى بلادهم،
وبالتالي فلن يتمكن من اللقاء معهم مرة أخرى إلا عبر
الصدفة أو العلاقة الجيدة».
وحول العلاقة
الحميمة التي جمعته مع زملائه قال د. الخزرجي: «نحن مثل
أخوة لا يوجد بيننا تكلف لأننا معتادون على بعضنا البعض،
ولذلك اصطحب معي ابني ليتعلم قدر الإمكان من هذا اللقاء،
وان يعيش في أجوائه، حتى يكون محفزا له للمحافظة على
علاقات صداقة قوية مع أبناء جيله، وبالنسبة لي فانا انقل
لهم قول احد الفلاسفة «إذا وصلت إلى عمر السبعين ولديك
أربعة أصدقاء إذن فأنت بألف خير». وأكد د. الخزرجي إلى أن
ما ساعده وزملاءه طوال مسيرتهم الطويلة هو إنهم اجتهدوا في
بناء أنفسهم وتحصينها بالعلم والمعرفة والخبرة، وهذا كان
كافيا ليوصلهم إلى ما هم عليه الآن، ودعا أبناء الجيل
الحالي إلى ضرورة الاهتمام ببناء النفس وتطويرها وتغذيتها
بكل جديد.